ابن العربي
233
أحكام القرآن
فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - قيل : إنها منسوخة بآية القتال ؛ وهو قول ابن زيد . الثاني « 1 » - أنها مخصوصة في أهل الكتاب الذين يقرّون على الجزية ؛ وعلى هذا فكلّ من رأى قبول الجزية من جنس تحمل الآية عليه . الثالث - أنها نزلت في الأنصار ؛ كانت المرأة منهم إذا لم يعش لها ولد تجعل على نفسها إن عاش أن تهوّده ترجو به طول عمره ، فلما أجلى اللّه تعالى بنى النّضير قالوا : كيف نصنع بأبنائنا ؟ فأنزل اللّه تعالى الآية : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . المسألة الثانية - قوله تعالى : لا إِكْراهَ : عموم في نفى إكراه الباطل ؛ فأما الإكراه بالحقّ فإنه من الدين ؛ وهل يقتل الكافر إلا على الدين ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه . وهو مأخوذ من قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ . وبهذا يستدلّ على ضعف قول من قال : إنها منسوخة . فإن قيل : فكيف جاز الإكراه بالدين على الحق . والظاهر من حال المكره أنه لا يعتقد ما أظهر . الجواب : أنّ اللّه سبحانه بعث رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو الخلق إليه ، ويوضّح لهم السبيل ، ويبصّرهم الدليل ، ويحتمل الإذاية والهوان في طريق الدعوة والتبيين ، حتى قامت حجّة اللّه ، واصطفى اللّه أولياءه ، وشرح صدورهم لقبول الحق ؛ فالتفّت كتيبة الإسلام ، وائتلفت قلوب أهل الإيمان ، ثم نقله من حال الإذاية إلى العصمة ، وعن الهوان إلى العزّة ، وجعل له أنصارا بالقوة ، وأمره بالدعاء بالسيف ؛ إذ مضى من المدة ما تقوم به الحجة ، وكان من الإنذار ما حصل به الإعذار . جواب ثان : وذلك أنهم يؤخذون أوّلا كرها ، فإذا ظهر الدين وحصل في جملة المسلمين ، وعمّت الدعوة في العالمين حصلت لهم بمثافنتهم « 2 » وإقامة الطاعة معهم النية ؛ فقوى اعتقاده ،
--> ( 1 ) هكذا في الأصول ، ولم يتقدم « الأول » ، وكأنه اعتبر ما سبق رأيا أول . ( 2 ) المثافنة : الملازمة والمصاحبة .